سيد قطب
2847
في ظلال القرآن
إني واللّه امرؤ أخشى الدوائر . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - هم لك . وكان عبد اللّه بن أبي لا يزال صاحب شأن في قومه . فقبل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - شفاعته في بني قينقاع على أن يجلوا عن المدينة ، وأن يأخذوا معهم أموالهم عدا السلاح . وبذلك تخلصت المدينة من قطاع يهودي ذي قوة عظيمة . وأما بنو النضير ، فإن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - خرج إليهم في سنة أربع بعد غزوة أحد يطلب مشاركتهم في دية قتيلين حسب المعاهدة التي كانت بينه وبينهم . فلما أتاهم قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت ، فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ ثم أخذوا في تنفيذ هذه المؤامرة الدنيئة ، فألهم رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما كان من أمرهم فقام وخرج راجعا إلى المدينة ، وأمر بالتهيؤ لحربهم . فتحصنوا منه في الحصون . وأرسل إليهم عبد اللّه بن أبي ابن سلول ( رأس النفاق ) أن اثبتوا وتمنعوا ، فإنا لن نسلمكم . إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم . ولكن المنافقين لم يفوا بعهدهم . وقذف اللّه الرعب في قلوب بني النضير فاستسلموا بلا حرب ولا قتال . وسألوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - أن يجليهم ، ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح . ففعل . فخرجوا إلى خيبر ، ومنهم من سار إلى الشام . ومن أشرافهم - ممن سار إلى خيبر - سلام بن أبي الحقيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ، وحيي بن أخطب . . هؤلاء الذين كان لهم ذكر في تأليب مشركي قريش وغطفان في غزوة الأحزاب . والآن نجيء إلى غزوة بني قريظة . وقد مر من شأنهم في غزوة الأحزاب أنهم كانوا إلبا على المسلمين مع المشركين ، بتحريض من زعماء بني النضير ، وحيي بن أخطب على رأسهم . وكان نقض بني قريظة لعهدهم مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في هذا الظرف أشق على المسلمين من هجوم الأحزاب من خارج المدينة . ومما يصور جسامة الخطر الذي كان يتهدد المسلمين ، والفزع الذي أحدثه نقض قريظة للعهد ما روي من أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين انتهى إليه الخبر ، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، ومعهما عبد اللّه بن رواحة ، وخوات بن جبير - رضي اللّه عنهم - فقال : « انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا ؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس . وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس » . . ( مما يصور ما كان يتوقعه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من وقع الخبر في النفوس ) . فخرجوا حتى أتوهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم . نالوا من رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وقالوا : من رسول اللّه ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد ! . . ثم رجع الوفد فأبلغوا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بالتلميح لا بالتصريح . فقال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « اللّه أكبر . أبشروا يا معشر المسلمين » . . ( تثبيتا للمسلمين من وقع الخبر السيئ أن يشيع في الصفوف ) . ويقول ابن إسحاق : وعظم عند ذلك البلاء ؛ واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم . حتى ظن المؤمنون كل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين . . إلخ .